يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

482

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

يضعف بصرك ولا ينقص من قوّتك . فأطرق المنصور ثم رفع رأسه إليه وقال : قد كنت أظنك أعقل مما أنت ، أما ما ذكرت من السواد فلا حاجة لي به ، لأنه غرور وزور والشيب هيبة ووقار ، ولم أكن لأغيّر نورا جعله اللّه في وجهي بظلمة السواد . وأما ما ذكرت من الأكل فو اللّه ما أنا بشره وما لي في الاستكثار حاجة ، لأنه يثقل الجسم ويشغل عن الواجب ، وأقل ما فيه اختلافي إلى الخلاء ، فأرى ما أكره وأسمع ما لا أحبّ . وأما ما ذكرت من النساء فإن الجماع شعبة من الجنون ، وما أقبح بخليفة مثلي يجثو بين يدي صبية ، ارجع إلى صاحبك مذموما مدحورا . انظر هذا الموفق الآخر كيف زهد مع الملك والقدرة في الأشياء التي هي معنى الدنيا وجلّ شهواتها ، لا سيما البطن . كما قال بعضهم وسئل عن الزهد فقال : اعلم أن البطن دنيا العبد ، فبمقدار ما تملك من بطنك تملك من الزهد . وكذلك قال وهب بن منبه : لكل شيء وسط وطرفان ، فإن أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر ، وإن أمسكت الوسط اعتدل الطرفان ، كذلك البطن وسط بين الجوارح ، إن أمسكته اعتدلت الأطراف السمع والبصر واللسان والفرج والرجل . وكذلك قال غيره : إذا أعطيت البطن حظه من الشبع طلبت كل جارحة حظها من اللهو فجمحت بك النفس إلى الهلكة ، وإذا منعت البطن حظه قصرت كل جارحة عن حظها ، فاستقام القلب لذلك . وقد تقدّم لي في هذا المعنى طرف وإن لم يكن حجة فهو المحجة . تقدّم في أوّل الكتاب : من كان همه بطنه وفرجه فلا ترجه ، والأبيات بعده التي أوّلها : إذا أعطيت بطنك مشتهاه * وفرجك سؤله أنت البهيمة وتقدّم أيضا : أضرّ شيء على الإنسان خصيته الأبيات . قلت : ولعمر اللّه إن الزاهد لفي راحة وحال استراحة ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ، ولقد صدق القائل : لا عيش يصفو للملوك وإنّما * تصفو وتحمد عيشة النساك لذلك قال بعضهم : إن كنت تريد أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة فازهد في الدنيا . وقد تقدّم لعبد الحق رحمه اللّه : فصرت غنيا بلا درهم * أتيه على الناس تيه الملك وقال بعض من تزهد من الملوك : لم أجد طيب العيش حتى استبدلت الخمص